
أنا عروسة جديدة، وجوزي اتجوز عليا أرملة أخوه المتوفي عشان يربي بناته، وأهله حطوني قدام الأمر الواقع ورضيت وتقبلت. بس من يوم ما اتجوزها وهجرني تماماً، وبعد شهر سافر معاها هي وعيالها عشان يفسحها، وقال لي بكل قسوة: “مصاريفك هتوصلك مع أمي، وما تنقيش عليا وأنا مسافر، أنا شايل هم تلات بيوت!
“سكت، وسبت أموري لله.. بس حماتي كانت بتديني المصاريف بالقطارة، وجبتين في اليوم وكل وجبة رغيفين بالعافية، ولو طلبت أكتر تبصلي بقرف وتقول لي: “نحنا مأكلينك ومشاربينك، لسه ليكي عين تطلبي؟!”، ده غير إنهم يشربوا الشاي باللبن والبسكويت من ورايا ويدسوه عني.
صبرت ولما كلمت جوزي وشكيت له، زعق فيا وحسسني إن شحاتة!عدى يومين ومطبخي ناشف، مافيهوش غير ظرف شاي وحبة سكر.. بقيت أشرب شاي وأنام، وأنا أصلاً واخدة على الجوع في بيت أهلي، بس العزة كانت واجعاني.
لحد ما اتصلت بيا سارة، صاحبتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا، ولما حسيت بتعبي بعتت لي مصاريف وخزين كامل للبيت. أول ما حماتي شافت شوال السكر والكراتين، دخلت المطبخ وبكل بجاحة خدت منه وعينها في عيني وتقول لي: “مش ده حق ابني؟ أنا كل يوم هاجي أخد اللي يعجبني!
“.. كلمت سارة، قالت لي بغيظ: “أنتِ عبيطة؟ الحاقدين دول بياكلوا حقك! قومي حولي كل الخزين ده عند سكينة جارتك، وما تسيبيلهمش في المطبخ غير الهوا!”عملت بكلامها ونقلت الخزين عند سكينة، ولما حماتي دخلت ولقيت المطبخ فاضي، قعدت تصرخ وتصوت وتتهمني بالسرقة وقالت لي: “أما يرجع مرتضى هخليه يقص لسانك ده!
“بعد أربع شهور، رجع مرتضى ومراته، وصحاني من النوم بض. رب ورزع على الباب.. خبطت فيه وقلت له: “خير؟”بدل ما يسلم، هجم عليا بالشتيمة والتهديد: “أمي بتقول إنك هربتي الأكل وخبيتيه وطلعتي لسانك! بقى بتدسي الأكل عن أمي؟ من هنا ورايح مفيش مصاريف هتتدخل لك!
“رديت عليه ببرود: “على أساس إنك كنت بتصرف اصلاً؟”تاني يوم الصباحية، دخل عليا وهو وشوشه محروق، وقال لي بخباثة: “عقاباً ليكي، من النهاردة أنتِ اللي هتطبخي للبيت كله، وتخدمي حنين مراتي وهي وعيالها لأنها حامل ومش قادرة!
“قلت له بذهول: “وأنا مالي ومالها؟ هي مش مرة وعندها إيدين؟”قرب مني وقال لي بنبرة كلها تهديد وجبروت: “أوعي تقاطعيني.. لو ما عملتيش اللي بقول عليه، هتشوفي مني وش مش يعجبك!”حطيت كوباية اللبن على الترابيزة وبصيت في عينه وقُلت بثبات: “وريني هتعمل إيه.. أنا مش خايفة منك!
“ضحك بصوت عالٍ كله استهزاء وقرب من ودني وقال بخباثة: “هروح لأهلك.. وأنتِ عارفة أهلك كويس وشكلهم إيه لما يرموكي! أنتِ فاكرة إني اتجوزتك ليه من الأول؟ عشان عارف إنك خدامة ببلاش، ومالكيش ضهر ولا ولي يطلب بيكي!”الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت الدم جمد في عروقي.
. وبدأت أضحك بصوت هيستيري هز الأوضة كلها، ورفعت عيني فيه وقلت له بثقة أذهلته:— “كنت فاكرة كده فعلاً يا مرتضى.. لحد ما المحامي خبط على الباب الصبح بدري، وسلمني عقد البيع والشراء الأصلي للبيت ده والمصنع بتاعكم..
أخوك المرحوم كاتبهم باسمي أنا من قبل ما يمو. ت بأسابيع، وأنت دلوقتي واقف في ملكي ومطرود برة بقوة القانون!” و الذهول والخرس التام تجسدا في ملامح مرتضى؛ فقد تحولت تلك الابتسامة الصفراء الساخرة إلى تجعيدة رعب جامدة على وجهه، وانسحب الدم من وجهه حتى صار أبيض كالثلج.
يا ابني الححقنا! البجحة دي مخلية جارتها سكينة شاهدة زور عليا، وعاملة لي فيها…”لكنها صمتت فوراً عندما رأت منظر ابنها الشاخص بصره، ووجدتني أقف أمامه شامخة، منتصبة القامة، لا تبدو عليّ أي علامة من علامات الخنوع أو الانكسار التي اعتادت عليها طوال الأشهر الماضية.
اقتربتُ خطوتين بطيئتين نحوهم، ونظرتُ إلى حماتي بنظرة مليئة بالبرود والقوة، ثم التفتُّ إلى حنين التي بدأت علامات القلق تظهر على وجهها، وقلت بصوت هادئ ومسموع ملأ أرجاء الشقة:— “أهلاً وسهلاً.. نورتوا البيت. بس للأسف، الزيارة دي هتكون قصيرة جداً.
كل ده كذب وافترا! وريني الورق ده كده! أخويا مستحيل يعملها، مستحيل يكتب ورثه لواحدة زيك لسه متعرفهاش، ده تزوير! أنا هحبسك وأرميكي في المفارق!”لم أرد عليه كلاماً، بل رفعت يدي ببطء وفتحت حقيبتي الصغيرة التي كانت مستقرة على الطاولة، وأخرجت منها مظروفاً مقاوماً للبلل، وسحبت منه النسخة الأصلية للتوكيل الرسمي الشامل والعقود الموثقة بخاتم الشهر العقاري، والتي تحمل توقيع أخيه المرحوم وبصمته، وتاريخاً يسبق وفاته بشهرين كاملين، ومرفقاً بها تقرير طبي يثبت كامل قواه العقلية والنفسية وقت التوقيع.
مددت يدي بالورق أمامه وقلت بسخرية لاذعة:— “اقرأ يا مرتضى.. اقرأ اسم الموثق، وخاتم الدولة اللي مش ممكن يتزور يا سيادة العارف بكل حاجة. أخوك المرحوم كان عارفكم كويس، كان عارف طمعكم وجبروتكم، وكان حاسس إنكم هترمو مراته وبناته، وكمان كنتي يا حماتي دايماً بتعيريه إنه ما خلفش ولاد وإن البنات ملهمش سند، فحب يضمن حق بناته وحقي، وكتب كل حاجة باسمي لأن ثقته فيا كانت أضعاف ثقته في أخوه اللي مالي قلبه الحقد والظلم.
يعني إحنا بقينا في الشارع؟!”لم يجبها، بل التفت إليّ وقد انحنى كبرياؤه تماماً، وحاول أن يغير نبرته إلى التوسل المذل، فتقدم خطوة ليلمس يدي، فابتعدت عنه باشمئزاز واضح وقاتل:— “يا بنتي.. اعقلِ.. إحنا أهل، ومهما كان عيش وملح.
. البيت ده بيتنا كلنا، وأمي مرة كبيرة ومتقدرش على البهدلة، وحنين حامل… عيب اللي بتعمليه ده، سيبي الورق ده وخلينا نعديها بينا وبين بعض، ومن بكره هكتبلك اللي تطلبيّه…”قاطعته بصوت حاد كالسكين، قطع عليه كل محاولات استعطافه المزيفة:— “عِش وملح؟!
أنتو عمركم ما سيبتوني أذوق العش والملح إلا ومرارتي بتتقطع معاه! وجبتين في اليوم ورغيفين بالعافية؟ وشاي باللبن مدسوس؟ وخدمة وذل وشتيمة وتهديد برميني على أهلي؟! فاكر لما قلت لي ‘أنتِ خدامة ببلاش ومالكيش ضهر’؟
أهو الضهر ظهر يا مرتضى، وقانون الله وقانون الأرض هما اللي جابوا حقي وحق كل دمعة نزلت من عيني وأنا نايمة شاربة شاي من غير لقمة!”في تلك اللحظة، سُمع صوت طرقات قوية ومنظمة على باب الشقة.
وقبل أن يتحرك أحد، انفتح الباب لأنني كنت قد تركت القفل مفتوحاً، فدخل اثنان من أفراد الشرطة برفقة محامي العائلة الذي ارتدى بذلته الرسمية، وبجانبه وقفت جارتي سكينة ومعها بواب العمارة شهوداً على الموقف. تقدم المحامي بخطوات ثابتة وابتسامة هادئة، وقال بصوت رسمي:— “صباح الخير يا فندم.
هل تم إبلاغهم بالقرار النهائي وتنفيذ أمر الطرد وتسليم المفاتيح طبقاً للحكم الصادر والملف القانوني المعتمد؟”التفتُّ إلى المحامي وأومأت برأسي، ثم نظرت إلى مرتضى وأمه وحنين التي كانت تبكي بصوت عالٍ وتلوم زوجها على طمعه الذي أضاعهم، وقُلْت لمرتضى بكلمات أخيرة قاطعة:— “قدامك نص ساعة بالتمام والكمال، تجمعوا فيها هدومكم وأغراضكم الشخصية وتخرجوا من باب الشقة دي.
. وإن تجرأ حد فيكم يقرب من خزين سارة أو يسرق حبة سكر زي ما عملت أمك قبل كده، القانون هيكون له كلام تاني معاكم.”أشارت الشرطة بصرامة لمرتضى وأسرته بالتحرك الفوري لجمع أشيائهم، بينما وقفتُ أنا عند عتبة الصالة، أنظر إلى المكان الذي شهد أقصى أيام ذلي، وأنا أشعر بأن روحي عادت لي، وأن جبل الهموم انزاح عن عاتقي للأبد، وبدأت صفحة جديدة تماماً أكون فيها أنا سيدة نفسي وبأمر القانون.
