
لم تكد الأنفاس تهدأ داخل الشقة، حتى تحولت صرخات حماتي ودموع حنين المفتعلة إلى مشهد مسرحي هزلي؛ فرمت العجوز نفسها على الأريكة تلطم خديها وتصيح بصوت أشبه بالنواح:— “يا مصيبتي السودة! ولدي بيتطرد من بيته وبيت أبوه على إيد حتة بت لا طالت أرض ولا سما!
الحقوني يا ناس، العروسة جابت الغريب وضيّعت عرضنا!”أما مرتضى، فقد تبدل وجهه تماماً من الذعر الشديد إلى حالة من الجنون والسعار. اقترب من المحامي ومن أفراد الشرطة بعيون حمراء وشرارات تفوح بالغضب، وصاح بصوت جنوني:— “ده تزوير في أوراق رسمية!
أخويا كان مريض، وكان ناقص عقلياً في أيامه الأخيرة! الست دي نصابة ضحكت عليه وهو على فراش الموت! أنا مش هطلع من البيت ده إلا على جثتي!”تقدم المحامي بثبات وهدوء، واضعاً يده في جيب بذلته، ونظر إليه باحتقار بارد ثم قال بلهجة واثقة:— “يا سي مرتضى، ابعد عن الشر وغنيله.
موثق في الشهر العقاري وبصمته بصمته، ومعاه تقارير طبية دقيقة من ثلاثة استشاريين نفسيين وعصبيين تثبت تمام قواه العقلية وقدرته الكاملة على اتخاذ قراره بكامل إرادته يوم التوقيع. روح اقعد قدام النيابة وافتح بلاغات براحتك، لكن دلوقتي القانون بينفذ قراره.
. قدامك دقايق معدودة، وإلا هنضطر نسجل مقاومتك للسلطات ونزود محضر تاني على محاضر طمعك.”تراجع مرتضى خطوتين للخلف وكأنه تلقى صفعة قوية على وجهه، فقد أدرك تماماً أن اللعبة انتهت وأن جبروته وطمعه قد ارتدّا نحوه كالطوفان.
التفتت حماتي إليه بغضب ووجوههم ممتلئة بالغل، وبدأت تلومه وتصرخ في وجهه:— “كله بسبب طمعك وعمايلك السودة! كنت سايب عيال أخوك ومراته في حالهم ليه لحد ما عملت فينا كده؟! ضيعت البيت وضيعت عيالك!”وسط هذا الصراخ المتواصل، لم أنطق بكلمة واحدة؛
وقفتُ أراقب انهيار إمبراطوريتهم الوهمية التي بنيت على ظلمي وقهر لقمة عيشي. لم أرحم دموع حنين التي كانت تمسح بطنها البارزة وتستعطفني:— “علشان اللى في بطني يا ست الكل.. ارحمينا، هنروح فين وإحنا ملناش مكان؟
“نظرت إليها بعينين حادتين وقاتلتين، وقلت بصوت صارم:— “وانتِ رحمَتيني وأنا شربت الشاي من غير لقمة؟ وامتّعْتِ نظرك في أكلي وأنا جعانة؟ كنتِ فين من رحمَتكم وأنتِ وستك بتذلوني وتستغلوني خدامة ليكم؟ اللي بيزرع الشوك يا حنين، ميحصدش غير جراحه.
“خلال أقل من نصف ساعة، كان بواب العمارة وبعض الجيران يقفون على الباب لمتابعة المشهد، بينما كان مرتضى يجر أذيال الخيبة والذل، ويحمل بعض الحقائب والأمتعة بمعاونة أمه المنهارة وحنين الباكية، وخرجوا جميعاً من الشقة يجرون ورائهم أذيال الهزيمة، وأغلق باب الشقة من الخارج لتفرغ لي الصالة تماماً.
جلستُ على نفس الكرسي الذي طالما جلست عليه مقهورة ومكسورة الجناح، ووضعت يدي على وجهي، ولم أستطع منع دموع الفرح والارتياح من الانهمار غزيرة. أخيراً.. تجلت قدرة الله وانتقلت الكفة لصالح المظلوم. لم أضيع وقتاً طويلاً في البكاء؛
فقمتُ ونفضت عن كتفي غبار الأيام المرة، واتصلت بسارة صديقتي الوفية التي ردت بلهفة وقلق:— “ها يا بنتي طمنيني؟ عملوا معاكي إيه الحيتان دول؟ أجي لك حالا بالبوليس؟”ضحكت بصوت ملؤه الحياة والبهجة لأول مرة منذ زواجي، وقلت لها:— “تعالي يا سارة.
. تعالي اكتبي اسمك بطلة الحكاية معايا. البيت كله بقا ملكي، ومرتضى وأهله خرجوا مطرودين برة بقوة القانون!”صمتت سارة لثوانٍ معدودة من شدة المفاجأة، ثم انطلقت زغروتة طويلة هزت هاتفها، وقالت بصوت متهدج بالفرح:— “أقسم بالله أنتِ أجدع ست في الدنيا!
أنا جالك حالاً وبيدي أحلى خزين لبيت الست العروسة الجديدة صاحبة البيت!”أغلقت الهاتف وتجولت في أرجاء الشقة، نظرت إلى المطبخ الذي كان ناشفاً لا يملكه إلا القهر، وعرفت أن هذه هي مجرد بداية لصفحة جديدة تماماً في حياتي..
حياة أكون فيها سيدة نفسي وكرامتي مصانة، لا شحاتة فيها ولا ذل لأحد. لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى كانت سارة قد حضرت ومعها حقائب مليئة بكل ما يحتاجه البيت من خيرات، ودخلت الشقة وهي تطلق الزغاريد وترميني بأحضانها والفرحة تلمع في عينيها.
قضينا اليوم نعدّ أشهى الأطباق في مطبخ أصبح ملكاً لي وحدي، بلا رقيب ولا حسيب، نتناول الطعام بكل حرية وعزة نفس، وكأننا نحتفل بولادة جديدة لي ولحياتي التي سُلبت مني ظلماً. لكن الراحة لم تكن لتدوم طويلاً، ففي اليوم التالي مباشرة، وأثناء انشغالي بترتيب بعض الأوراق القانونية الخاصة بالمصنع والبيت مع المحامي، سمعت طقوساً غريبة وعنفاً غير عادي على باب الشقة الخارجي، تلاه صوت صراخ حماتي يعلو في أرجاء العمارة:— “افتحي يا حرامية يا خطافة الرجالة!
يا اللي سرقتِ حلال عيالي وضيعتي مستقبلهم! مش هنمشي غير لما ناخد حقنا بالذوق أو بالعافية!”فتحت الباب ببطء وهدوء، فوجئت بمرتضى يقف وراء أمه، وقد بدا عليه الإرهاق الشديد وعيناه محمرتان كمن لم يسقط جفناه نوماً طوال الليل، وإلى جواره تقف حنين تبكي بدموع حقيقية هذه المرة وهي تحمل ابنتها على ذراعها، وقد احتشد عدد كبير من جيران العمارة على السلالم يستطلعون الأمر.
أن أنطق بكلمة واحدة، تقدم مرتضى خطوة للأمام وحاول دفع الباب بكتفه، لكنني وقفت بصلابة في المنتصف وكتفاي منتصبتان، فرمقته بنظرة حادة جمدت حرركته، فصاح بصوت منكسر يملؤه اليأس والحقد معاً:— “شايفة وصلتينا فين؟ أمي هتموت من القهر في الشارع، ومراتي الحامل بتولد من كتر البكاء والعياط!
يا أخي حرام عليكِ.. سيبي لنا الشقة دي واقعدي في مكان تاني، المصنع خليه ليكِ بس سيبونا نعيش هنا!”نظرتُ إليه باستخفاف بارد، ثم نقلت بصري إلى أمه التي كانت تمثل الإغماء وتتكىء على جدار السلم، وقُلْت بصوت مهيب ومسموع لكل الجيران:— “جاي تترجاوي دلوقتي يا مرتضى؟
بعد ما بعتني للذل وقلت لي إنك اتجوزتني عشان أنا خدامة ببلاش وماليش ضهر؟ نسيت لما كنت بتشرب الشاي باللبن وتدسه عني أنا اللي على ذمتك؟ نسيت لما كنت بتذلني في رغيف العيش وجبتين بالقطارة؟”هتف أحد الجيران بصوت عالٍ مستنكراً:— “يا ساتر يارب!
هو ده اللي عملته فيها يا مرتضى؟ دي غلبتكم شهور وسكتت!”اشتعل وجه مرتضى غضباً وحمرة، وحاول أن يرفع صوته ليهددني:— “إياكي تفكري إن اللعبة انتهت! أنا رفعت قضية طوارئ ومستعجلة في المحكمة هبطل بيها العقود دي كلها وهثبت أن أخويا كان فاقد لوعيه، ومش هسيبك تتهني بليلة واحدة هنا!
“ضحكت بصوت هادئ ومستفز، ورفعت ورقة رسمية أخرى في وجهه وقلت بثقة تامة:— “خبط براحتك في الحيط يا مرتضى، المحامي بتاعي كان أذكى منك بكتير؛ لأننا سجلنا تنازل نهائي عن أي طعون، وكمان قدمنا بلاغ رسمي بكل التعديات والإهانات والتهديدات اللي وجهتهالي، ده غير محاضر حرمان النفقة وامتناعك عن الإنفاق طول فترة جوازنا!
“سقطت أطراف مرتضى تماماً، وانحنى ظهره وكأنه يحمل جبلاً على كتفيه. أما حنين، فوقعت على ركبتيها على السلم وهي تجهش بالبكاء وتصرخ في وجهه:— “قلت لك بلاش طمع.. قلت لك الست دي ملهاش ذنب وإحنا اللي ظلمناها، ضيعتنا وضيعت عيالك يا ظالم!
“أغلقت الباب في وجوههم بكل قوة وثبات، وسمعت صوت صراخهم يتباعد تدريجياً وهم يجرون أذيال الخيبة والذل، بينما التفتُ إلى سارة التي كانت تقف في الخلف تصفق بيديها إعجاباً وفخراً بما فعلت. تنفسعت الصعداء بعمق، وابتسمت وأنا أنظر إلى جدران بيتي الجديد، وأنا متأكدة أن هذه هي البداية الحقيقية لحياة لن أسمح لأحد فيها أن يستضعفني أو يسرق حقي مرة أخرى.
