
مرت أسبوعان على ذلك اليوم الفاصل الذي انقلبت فيه موازين القوى، أسبوعان كانا بمثابة ولادة جديدة لروحي التي أكلها القهر طويلًا. كنت أستيقظ كل صباح على أريكتي الفسيحة، أتأمل جدران شقتي ومطبخي الذي صار يفيض بخيرات سارة، بلا خوف من نظرات حماتي المتربصة أو وجبات الشحاذة البخيلة.
لكن الطمأنينة الكاملة لا تأتي دفعة واحدة؛ ففي صباح يوم بارد وممطر، بينما كنت جالسة أتناول قهوتي بسلام، هبّت عاصفة من الطرقات العنيفة والمتتالية على باب الشقة، تلتها أصوات صراخ وشتائم همجية هزت مدخل العمارة كله.
لم تكن هذه المرة أصوات مرتضى وأمه، بل أصوات رجال غرباء أصلاب الملامح، يعلوهم صوت رجل غليظ الجلقة :— “افتحي يا اللي جوه! يا نصابة يا خطافة الحلال! طلعي العقود بالذوق لنسحلكم في الشوارع ونفرم العمارة دي على اللي فيها!
لكن ثباتي الجديد سرعان ما غلب خوفي. نهضت بخطوات ثابتة وفتحت الباب نصف فتحة، ففوجئت بأربعة رجال ضخام الأجسام تقودهم امرأة غريبة تبدو عليها علامات الثراء االمطلق، وتلتصق بهما خائفة حماتي وحنين التي كانت تذرف الدموع بغزارة.
صرخت المرأة الغريبة في وجهي بتكبر مقزز وهي تدفع الباب بكتفها:— “أنتِ بقى الحثالة اللي ضحكتي على المرحوم وسرقتي حلال عياله؟! أنا خالة ولاد المرحوم، وأخت مراته الأولى الله يرحمها! البيت ده والمصنع مش هيقعدوا في إيد واحدة زيك دقيقة واحدة، والمحامين بتوعنا جهزوا قضايا تزوير هترديكِ ورا الشمس!
“قبل أن أنطق بحرف واحد، تقدمت حماتي من الخلف وهي تلوح بيديها بوقاحة وسخرية، وقالت بصوت مسموع للجيران الذين تجمهروا على السلالم:— “شفتوا يا ناس البت دي جابت آخرها! مفكراها ملكت الدنيا عشان ورقة معفنة..
خالتي أم العيال جهزت لها مفاجأة مش هتنساه طول عمرها، والشرطة والنيابة هيطلعوا العقود دي باطلة غصب عنها!”نظرتُ إلى المرأة الغريبة التي كانت تتنفس بغضب، ثم نقلت نظري إلى حماتي وحنين، ولم أهتز شعرة واحدة.
رفعت حاجبي ببرود قاتل، وعدّلت شال الصوف على كتفي، ثم قلت بصوت هادئ ومسموع أخرس صراخهم جميعاً:— “خلصتي صراخ وعنتريات يا خالتي؟ ولا لسه عندك طاقة تلطمي بيها شوية كمان؟”اشتعلت المرأة غضباً من برودي، وهجمت نحو الباب تريد جذبي من ملابسي، فصرختُ فيها بصوت رعدي أوقفها في مكانها:— “إياكي تلمسيني!
وأقسم بالله لو خطوة كمان دخلتِ شقتي لأعتبرها اقتحام مسكن وأسلمك لشرطة النجدة في دقيقة!”ثم التفتُّ إلى المحامي الخاص بي الذي كان يقف بهدوء على درج السلم الأيمن ومعه حقيبة أوراق رسمية، فأشارت له بيدي فتقدم بخطوات واثقة ووقف بجواري، وفتح ملفاً ضخماً أخرج منه أوراقاً بختم الجمهورية وابتسامة ساخرة على شفتيه، وقال بصوت رسمي جعله يرتجف:— “أهلاً بحضرتك يا مدام.
. شكراً إنك جيتي برجليكِ عشان نوفر مشوار إعلانك الرسمي. العقود اللي بتتكلمي عنها مش مجرد بيع وشراء عدي، دي مصحوبة بتنازل قانوني تام وموثق من المرحوم قبل وفاته بأشهر، وموثق بصيغة ‘عدم التعرض ونفي الشبهات’ بمعرفة كبار مستشاري الشهر العقاري، ده غير إن المرحوم كان سدد كامل ثمن العقار والمصنع من أمواله الخاصة المسجلة باسمه، يعني لا أنتِ ولا أختك المرحوl
“التفتت المرأة بخوف نحو حماتي وقالت بحدة:— “إيه الكلام ده يا أم مرتضى؟! مش قلتِ لي إنها ورقة مضروبة على السريع والواد كان مغيب؟!”انهارت حماتي تماماً وركعت على الأرض تبكي بحرقة وتلطم وجهها بعد أن رأت أن كل حيلهم وكذبهم قد تهاوى أمام القانون، وقالت بنبرة منكسرة ومذلولة:— “ضحكوا علينا ياختي.
أنتو عمركم ما عرفتوا الرحمة مع عروسة دخلت بيتكم بكل نية صافية فذلتوها في رغيف العيش وكسرتوا نفسها. دلوقتي جايين تدوروا على الرحمة من نفس الإنسانة اللي دوستوا عليها؟ ارحلوا.. ارحلوا كلكم من قدام بابي، لأن ملكش ولا مليم ولا حتى شبر واحد في ملكي.
بعد أن أيقنوا أن القانون يحميني بالكامل، وحملت المرأة خالة البنات حماتي وحنين المنهارة، وأخذوا ينسحبون واحداً تلو الآخر وسط نظرات الشماتة والاحتقار من جميع جيران العمارة.
أغلقت باب الشقة خلفهم بهدوء تام، وأقفلت الترباس بيميني وأنا أشعر أن جبل الظلم قد انزاح للأبد، وعادت لي حياتي وعزتي وكرامتي بقوة الله وبقانون الحق الذي لا يغفل أبداً. مرّت أسابيع أخرى بعد ذلك المشهد العصيب، وكأن الشقة قد تنفست الصعداء أخيراً.
هدأ العاصفة تماماً، وتوقفت محاولاتهم البائسة للترهيب والابتزاز، بعد أن أدرك الجميع أن لا مكان للظلم في هذا المكان. أصبحت أمور المصنع تُدار تحت إشراف محامي الكفء، وبدأت الأرباح العادلة تصلني بانتظام، لأول مرة أشعر فيها بمعنى الاستقلال المالي والنفسي الكامل.
في أحد الأيام المشمسة، كنت أقف في مطبخي الفسيح أنظف طاولتي وأعدّ قهوتي المفضلة بهدوء تام، مستمتعة بصوت الموسيقى الهادئة المنساب من الهاتف، دون خوف من أن تقتحم عليّ حماتي الخلوة أو تحصي عليّ لقمتي. فجأة، سمعت طرقات خفيفة ومترددة على باب الشقة الخارجي.
طرقات لم تكن عنيفة ولا همجية كالتي عهدتها من قبل، بل بدت وكأنها طرقات يد خائفة، مرتعشة، تخشى الرد. ترددتُ قليلاً، ثم وضعت فنجان القهوة على الطاولة، وسرتُ بخطوات ثابتة نحو الباب. فتحتُ اللسان ببطء وأطلقت الترباس، وفتحت الباب نصف فتحة لأرى من الطارق.
توقفت عيناي بذهول أمام الواقفة على العتبة.. لم تكن سوى “حنين”، مرأة مرتضى الأولى، لكنها لم تكن تشبه تلك المرأة المتعجرفة أو حتى الباكية ذليلة الهيئة في المرات السابقة. كانت تبدو شاحبة تماماً، عيناها غائرتان من كثرة السهر والبكاء، وملابسها بسيطة ومتهدكة، وتجلس على ركبتيها طفلتها الصغرى بينما تحمل على ذراعها الأخرى رضيعاً لم يكمل أسابيعه الأولى بعد، وقد وُلِد في ظروف القهر والشتات التي صنعها طمع زوجها.
وقفتُ ساكنة في مكاني، أراقبها بنظرة باردة تخلو من الشفقة أو الشماتة، وتركت الصمت يطول بيننا لثوانٍ معدودة، حتى تكلمت حنين بصوت متهدج يكسره البكاء والاختناق:— “أعرف إن ماليش أي حق أجيكِ هنا.. وأعرف إني كنت شريكة في اللي شفتيه، ومكنش المفروض أوافق على كل كلمة قاستها حماتي في حقك.